بعد هذه الحرب، أصبح شكل العالم واضحًا تقريبًا من الآن فصاعدًا! ستسعى روسيا إلى إنهاء الصراع الروسي الأوكراني بسرعة، واحتمالية اندلاع حرب بين الصين واليابان تتضاءل أكثر فأكثر، بعد أن مرّت الولايات المتحدة بـ "حرب فارس"، فإن لعبة القوى بين الصين، والولايات المتحدة، وروسيا من المحتمل أن تظهر على المستوى الاقتصادي، في حين أن المواجهة العسكرية قد تكون صعبة الحدوث خلال العقود القادمة أو حتى مئات السنين.



إن وضوح شكل العالم لا يكمن في من فاز في أي معركة، بل في أن الجميع أدرك شيئًا واحدًا: أن النظام الذي لا يمكن أن يُهزّ بواسطة مئات الآلاف من الجيوش وعشرات تريليونات الدولارات، لا يمكن تغييره إلا بواسطة أوراق اقتصادية وحقوق كلامية على القواعد والنظام.

هذه الصراع الذي يُطلق عليه الكثيرون "حرب فارس" في الشرق الأوسط، يتركز اهتمام العالم على ثلاثة نقاط أساسية: وضع الولايات المتحدة وإسرائيل لأهداف استراتيجية عالية، وظهور جمود مع استمرار الحرب؛ وضغوط على قواعد وأصول القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، مع استنزاف كبير؛ وعدم القضاء على القضية النووية بشكل كامل، حيث تتابع المؤسسات الدولية مسار تخصيب اليورانيوم وإيران، بينما تواصل إيران بناء منشآت تخصيب جديدة.

وفي ذات الوقت، تظهر معلومات أكثر كثافة عن تواصلات بين روسيا وأوكرانيا، حيث وردت أنباء عن عدة جولات من المفاوضات الثلاثية واتصالات عالية المستوى في عام 2026؛ أما في شرق آسيا، فهناك استمرار في تسريع اليابان لزيادة إنفاقها العسكري، وارتباط ذلك بشكل وثيق مع التجارة وسلاسل التوريد، مع تعمق المخاوف الاجتماعية من التوترات.

لقد أعطت هذه الحرب في الشرق الأوسط درسًا واضحًا للعالم: أن "نتائج" و"تكاليف" الحروب الحديثة غالبًا لا تتطابق. يمكن أن تكون الضربات قوية، لكن من الصعب تحقيق "صفر إصابات"؛ من الناحية التكتيكية، يمكن إنجاز الكثير، لكن من الصعب تحقيق هدف استراتيجي خطوة واحدة.

القدرات النووية، والصواريخ، وشبكات الوكلاء، كلها أهداف تحمل طابع "الانتشار"، فبضرب نقطة واحدة، يدفع الضغط إلى نقطة أخرى، مما يؤدي في النهاية إلى سلسلة مطاردة أطول.

الأهم من ذلك هو سرعة "تسرب الحرب" إلى خارج ساحة المعركة. فبإغلاق مضيق هرمز، ستتأثر الشحنات، والتأمين، وأسعار النفط، والمواد الكيميائية، وتكاليف الشحن الغذائي، وكلها ستتغير تبعًا لذلك.

الشركات تتخذ قراراتها بناءً على شيء واحد: عدم اليقين.

طالما أن عدم اليقين مرتفع، فإن الطلبات تتجه إلى أماكن أخرى، والمخزون يتراكم، وتكاليف التمويل ترتفع. فحين تدور المعركة في الشرق الأوسط، فإن الفواتير ستصل إلى كل محطة وقود ومصنع في العالم.

وهذا يفسر أيضًا لماذا يبدو أن الاتجاه في أوكرانيا أكثر نحو "وقف الخسائر". عندما يشتت الشرق الأوسط انتباه الولايات المتحدة، وطاقتها العسكرية، ومواردها الدبلوماسية، يصبح من الصعب على ساحة أوكرانيا أن تستمر بنفس الوتيرة السابقة. تزداد المفاوضات، وتكثر مقترحات وقف إطلاق النار، وتكون الإجراءات أكثر وضوحًا من الشعارات.

وفي شرق آسيا، هناك قيود واقعية مماثلة. فالتجارة، والاستثمار، واعتمادية المكونات بين الصين واليابان لم تعد علاقات يمكن قطعها بسهولة.

وفي حال اندلاع الحرب، فإن الصدمة الأولى لن تكون فقط في المواجهة البحرية والجوية، بل ستشمل أيضًا خطوط الطاقة، والموانئ، وقطاعات التصنيع، مع اهتزازات متزامنة. بالنسبة للأشخاص العاديين، فإن أسرع تأثيرات لن تكون أخبار المعارك، بل أسعار الصرف، وأسعار النفط، والتوظيف، وتقلبات السلع.

وأود أن أُعبّر عن أن هذه التغيرات يمكن فهمها في جملة واحدة: أن القوى الكبرى دخلت مرحلة "حساب الإجمالي".

كثير من الناس يعتقدون بثقة أن الصورة الحاسمة هي: حاملة طائرات تمر، وصواريخ تطير، والنصر أو الهزيمة يتضح. لكن الحرب في الشرق الأوسط كشفت عن الصورة الحقيقية: أن الصواريخ فعالة، والهجمات الجوية يمكن أن تحقق نتائج، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في تحويل "النتائج" إلى "نتائج نهائية".

النتائج تتطلب تفوقًا طويل الأمد، والتفوق طويل الأمد يعتمد على القدرة على الاستمرار في الاستثمار. فماذا يعتمد على القدرة على الاستمرار في الاستثمار؟ على المجال المالي، والقدرة الصناعية، واستعداد التحالفات للمشاركة، وتحمل المجتمع للتكاليف الطويلة.

عند النظر إلى أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، فهي تبدو صارمة، لكن تنفيذها يتطلب وقتًا طويلًا. الإطاحة بالنظام، وتغيير الطابع، وإزالة القدرات النووية، وتقييد الصواريخ، وقطع شبكات الوكلاء، كلها تتجه نحو "الحكم طويل الأمد".
الحكم طويل الأمد لا يُحلّ عبر غارة جوية واحدة، بل غالبًا يعود إلى أدوات التفاوض، والعقوبات، والحصار، وطرق إمداد الطاقة. أي أن الأمر يتعلق بالحروب الاقتصادية، والحروب المالية، وسلاسل التوريد.

أما رد إيران، فهو يعتمد على ردود فعل انتقامية لا تركز فقط على الأفراد، بل على مسارات الطيران، والرادارات، والاتصالات، ومستودعات التخزين، وهي أشياء "تجعل استمرارك في القتال مكلفًا".
منطقها بسيط جدًا: إذا لم تستطع أن تنتصر، فقم أولًا بزيادة تكاليف خصمك، بحيث يتحول النقاش الداخلي من "هل يمكننا الانتصار" إلى "هل يستحق الأمر".

وفي هذه المرحلة من الحرب، لا يُقاس الأمر بمشاعر الأطراف، بل بمدى قدرة أنظمتها على التحمل.

وفي خط المواجهة بين روسيا وأوكرانيا، الأمر مشابه. يعتقد الكثيرون أن المواجهة عسكرية، لكن الضغوط الحقيقية على روسيا تأتي من جدول آخر: التضخم، والعجز، وفجوة سوق العمل، وضغوط الإنفاق العسكري على حياة الناس.
كلما زادت حدة هذه الضغوط، زادت احتمالية أن تصبح المفاوضات "ضرورية". الأمر نفسه ينطبق على أوكرانيا، حيث أن وتيرة المساعدات، وتوريد الأسلحة، وتوقعات إعادة الإعمار، كلها تؤثر مباشرة على خيارات ساحة المعركة.

أما في اتجاه الصين واليابان، فهناك ملاحظة إضافية. كثير من الناس يركزون فقط على المقارنة العسكرية، وعمق القواعد، وفارق زمن الدعم، وهذه كلها مهمة بالطبع. لكن الأكثر حسمًا غالبًا هو القيود غير الملموسة: هل المجتمع مستعد لتحمل تقلبات الأسعار، وانخفاض التوظيف، وتراجع الأصول على المدى الطويل بسبب الحرب.

هل الشركات مستعدة للاستمرار في الاستثمار في ظل عدم اليقين؟ وهل الأسواق المالية على استعداد لتحديد أسعار الدول بمخاطر أعلى؟
بمجرد أن تؤدي الحرب إلى ارتفاع تكاليف رأس المال والطاقة في آن واحد، فحتى لو استطعت الصمود على المدى القصير، فإن الصمود على المدى الطويل يصبح مستحيلًا. دول شرق آسيا أكثر حساسية لهذا الأمر، لأسباب بسيطة: سلاسل التوريد مترابطة جدًا، والتجارة الخارجية عالية جدًا، وكل طرف يخشى أن "خطأ واحدًا قد يستغرق عشر سنوات لإصلاحه".

وهذا هو السبب في أنني أؤمن بأن "المواجهة العسكرية تتراجع، وأن لعبة الاقتصاد تتصدر". ليس معناه أن الحرب ستختفي تمامًا، بل إن التوترات ستصبح أكثر تكرارًا، وأصغر، وأكثر تعقيدًا. المواجهات الكبرى المباشرة ستقل، لكن الصراعات الوكيلة، والحصار، والعقوبات، والقيود التكنولوجية، وأدوات التمويل، والسيطرة على خطوط الطاقة ستصبح أكثر شيوعًا.

على السطح، يتحدث الجميع عن الأمن، لكن في الواقع، هم يملكون الطلبات، والمسارات، والتسويات، والمعادن، والرقائق، والتأمين.

أي اتجاه تفضل أن يكون مستقبل العشر سنوات القادمة: هل ستزداد الصراعات في مجالات التمويل، والطاقة، وسلاسل التوريد، أم ستعود المواجهة العسكرية إلى الواجهة من جديد؟ وما هو العامل الأكثر أهمية برأيك: سعر النفط، أو قدرات الصناعات العسكرية، أو مواقف التحالفات، أم مدى ضغط الاقتصاد المحلي؟ شارك رأيك في قسم التعليقات.
شاهد النسخة الأصلية
post-image
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • تثبيت